LEXICARABIA

LEXICARABIA

Le langage et la stucture de l'esprit

مقدمة

اللغة وبنية العقل

 

ترجمة: عبدالغفور البقالي

 

تتميز جل الأشياء التي نلامسها في حياتنا اليومية ببنية خاصة. فالسيارة مثلا تحتوي على مجموعة من المكوّنات المتباينة التي تقوم كل واحدة منها بوظيفة محددة: العجلات، المقود، الأبواب، الخ. تعتبر بعض هذه المكوّنات، كالمحرك على سبيل المثال، أكثر تعقيدا مقارنة مع المكونات الأخرى. لذا ينبغي تحليلها وتفكيكها إلى مكوّنات فرعية حتى يتسنى فهم كيف ولماذا تتحقق وظيفتها. وهذا ينطبق تماما على الكائنات الحية. لقد فهمنا نشاط ذواتنا عندما أدركنا أنها مكونة من مجموعة من الأجهزة )الجهاز التنفسي، الجهاز الهضمي، الجهاز الحركي، الخ.( والتي تنشط وفق أنظمة فرعية  أو أعضاء يقوم كل واحد منه بجانب أساسي من ذلك النشاط (القلب بالنسبة لجهاز الجريان الدموي، الرئتان للجهاز التنفسي، الخ.)  ماذا إذن عن عقلنا؟

 

في البداية، يمكننا أن نقر بأن حياتنا الذهنية مرتبطة خاصة بالجهاز العصبي المركزي، وعلى وجه الخصوص بالعضو الدقيق جدا وهو الدماغ. ويمكن تحليل الدماغ نفسه إلى مكوّنات فرعية التي حددت خصوصياتها علوم الأعصاب (neurosciences)، رغم تطابقها الظاهر.وبالتالي ليس لنصف كرة الدماغ اليساري  واليميني نفس الوظائف، لأن في داخل كل واحدة منهما هناك أجزاء مختلفة تقوم بوظائف متباينة. وفي هذه الحالة، كيف يمكننا أن نعتقد أن العقل هو بمثابة كتلة واحدة متجانسة؟ فالجواب على هذا السؤال يأتي بلا شك من كوننا نعتقد بديهيا بأننا نتحرك كوحدة متكاملة. لا أعتقد أن معرفة وجه مألوف تتم بواسطة جهاز يختلف في عملية التعرف إلى أشياء أخرى في الطبيعة كالأشجار، وكذلك الكلمات المخطوطة ولكن علوم الأعصاب وعلم النفس العصبي  (neuropsychologie) بيّنت لنا في هذا المضمار أن انطباعاتنا تكون مضللة. على إثر إصابة في الدماغ يمكن أن نفقد القدرة على التعرف على الوجوه المألوفة، بيد أننا نحتفظ  بالقدرة على التعرف على الأشياء والكلمات الأخرى. وبالتالي من الممكن أن نفقد القدرة على التعرف على الكلمات، وتبقى معرفتنا سليمة للوجوه والأشياء الأخرى. بيّن دراسة حديثة أن فلاحا إنجليزيا فقد القدرة على التعرف على الوجوه المألوفة لمعارفه، ولكن قدرة هذا الرجل على التعرف على أبقار ضيعته بقيت سليمة جدا  !

 

ويدل هذا بوضوح على أن تلك القدرات المختلفة لا تتحكم فيها نفس البنيات المحللة، حتى أننا لا نستطيع معرفة ذلك الفعل بواسطة الاستبطان(introspections)  البسيط. ويحصل نفس الشيء بالنسبة لمجموعة من القدرات الحسية والإدراكية، وتوضح الوضعية الأمثل لبعض المصابين لفقدانهم الانتقائي القدرة على التعرف على الأشياء التي تنتمي إلى صنف تصوري خاص كالحيوانات والفواكه مثلا.

 

يتبين إذن أن للدماغ كما للعقل بنية. ولكن ما هي هذه البنية؟


حاول علم النفس المعرفي(psychologie cognitive)   الإجابة عن هذا التساؤل باعتماده فرضية تصويغات العقل. وتفترض هذه المصوّغات أن العملية الإدراكية أو المعرفية لا تتم عبر جهاز واحد، بل بواسطة مجموعة من الأنظمة الفرعية أو مَصوغات مختصة (modules spécifiques) في صنف معين من التحليل، ولها أساسا علاقة بماهية أدوات التحليل (وجوه، أشياء حسية، كلمات، الخ.) أما في مجال الإدراك الإنساني، تعتبر القدرة اللغوية، أي تلك التي تمكننا من الكلام والفهم، واحدة من تلك المصوغات، وبعبارة أخرى، يتم تحليل المعلومات اللغوية باستخدام آليات مختلفة من تلك التي تستعمل في تحليل أنواع أخرى من المعلومات.

 

لقد أدخل فودورFodor [1]   (1983) مفهوم "تصويغ العقل  (modularité de l'esprit) كإطار تصوري قابل لعقلنة وتوجيه البحث في علم النفس المعرفي.  ويعتقد فودور أن المصوّغات هي أجهزة محللة خاصة مسؤولة عن بعض الوظائف الإدراكية في الكلام.

ولتمييز تلك المصوّغات، ارتأى فودور أن تحدد لها مجموعة من الخاصيات الهادفة والتي لها علاقة بمجال معين، ولتحليلها تستند إلى معلومات محددة مختصة بطبيعية غريزية، كما لها بنية عصبية (structure neurale) ، الخ.

 

وبالتالي علق كولثير Coltheart [2]  (1999) على اقتراحات فودور لكونها لا ترمي إلى تحديد المعايير اللازمة والكافية لاعتبار أن نسق نظام التحليل (système de traitement) يكون أو لا يكون من طبيعة مصوغاتية. إن المقصود بكل دقة هو إيجاد معايير تشخيصية تمكن من اعتبار نظام ما ذات صيغة مصوغاتية تقريبا أو تشكل "مرشحا" للمصوغاتية.

 

وانسجاما مع طرح كولثير سوف نعتبر في هذا المؤلف بأن الخاصية الأساسية التي تمكن من اعتبار نظام ما بأنه مصوغاتي، هي ذاتها "نوعية المجال" بحيث ندرك من هذا أن النظام المستهدف يخضع حصرا لمنبهات  (stimuli) تنتمي لصنف معين. إن معرفة الوجوه مثلا تتدخل فيه إجراءات خاصة بعملية التعرف لا تستجيب فيها أصناف أخرى من المنبهات البصرية. ولهذا سنفترض أن هذه المقدرة (capacité)   ترتكز على "مصوغة" خاصة التي يتم بواسطتها التعرف على الوجوه، وهذا يعني أن النظام البصري "العام" يدخل قطعا في المراحل الأولى من التعرف على الوجوه، وتحليل هذا النوع من المنبهات يبين تدخل، ولو في مستوى متأخر، إجراءات وبنيات خاصة به. وبالنسبة لخصوصية المعلومات التي يستجيب لها النظام المصوغاتي باعتبار الكلام مصوغة يؤدي إلى التسليم بأن المنبهات اللغوية لها خاصيات بحيث أن تلك المنبهات تبرر الحاجة إلى نظام تحليل خاص. إلى أي حد إذن يمكن اعتبار فرضية خصوصية الكلام معقولة؟

 

فقد أدت البحوث اللسانية النوعية منذ أربعين سنة وبمبادرة أعمال نعوم شومسكي  Noam Chomsky إلى تمييزدقيق لمستويات نظم الكلام ) صواتيا وصرفيا ونحويا ودلاليا(. إن وصف البنية النحوية الباطنية (structure interne)  لجملة لا تتحقق إذن إلا في إطار نظرية المكوّن التركيبي للنحو (composante syntaxique de la grammaire) .

 

وقد تستجيب الأنظمة النفسية المتدخلة في تحليل الكلام لخصوصية النظام اللغوي. وللتمكن من إدراك أصوات الكلام (sons de la parole) ، ينبغي أن نرتكز على نظام خاص للتحليل الذي يربط بين الجوانب الحركية والإدراكية للكلام. وبصفة متشابهة لعملية التعرف على الوجوه، يمكن أن نفترض أن إدراك أصوات الكلام يتم باستخدام إجراءات تحليلية تختلف عن تلك التي تتدخل في تحليل أنواع أخرى من المنبهات المجهورة كالأصوات المنبعثة من الطبيعة والأصوات الموسيقية.

 

ولو افترضنا بالتالي أن اللغة تكوّن في حد ذاتها مصوغة، هذا لا يعني أنها غير قابلة للتجزيء إلى مصوغات فرعية (sous-modules) خاصة، كما سنتطرق إليه لاحقا. إن مصوغة "اللغة" هي نظام يتميز بتعقيدات يمكن تحليلها إلى مكونات فرعية خاصة. ومن الجدير بالذكر أن هذا المؤلف سيركز بالضبط على تمييز بعض هذه المكونات الفرعية التي تتدخل في إدراك وإنتاج اللغة المنطوقة  (langage parlé).

 

ووصولا إلى هذا المستوى، يجب أن لا نقع في سوء فهم كثير الحدوث. ذلك أننا إذا افترضنا أن اللغة هي بمثابة مصوغة تستخدم النظم الإدراكية والحسية الخاصة لتحليلها، لا يؤدي إلى إقصاء البعد الاجتماعي، أو حتى فصلها عن الأنواع الأخرى للقدرات الإدراكية التي إليها بصلة. والطرح الذي يهمنا في هذا السياق هو أن المقاربة المصوغاتية للغة لها بالتالي علاقة مع الخصوصية الكبرى للخاصيات التي تميزه، هذا ما سنبينه في هذا الكتاب. لا يمكن عرض إدراك وإنتاج اللغة إن لم نأخذ بعين الاعتبار نظامها في مختلف المستويات الصّواتية والصرفية والنحوية والدلالية. ولهذا ينبغي ضم كل مصوغة فرعية إلى "قاعدة المعطيات" (base des données) الخاصة بها. وتحيل قاعدة المعطيات إلى مختلف أنواع المعارف التي يمتلكها كل شخص مدرك لخصائص اللغة، وهذا يعني أن إدراك أصوات الكلام تتوقف على النظام الصّواتي(système phonologique)  للغة المستمع، لأن تلك اللغة تحدد "ما" يدركه المتكلم وهذه المعرفة الصّواتية الجد مجردة والتي يفترض أنها لا تخضع إلى مراقبة واعية يمكن إدراجها في قاعدة المعطيات للمصوغة الفرعية لإدراك اللغة.

 

وسوف نعير اهتماما خاصا في هذا الكتاب إلى جانب خصوصي ولكنه مركزي للقدرة اللغوية، تلك التي تؤدي إلى إدراك وإنتاج الكلام المنطوق. إن موضوع مختلف فصول هذا المؤلف سيكون "القول" أو "الكلام المنطوق" بصفته وسيلة للتعبير الطبيعي وبامتياز لملكة الكلام. ولكن إذا كان القول هو بدون أدنى شك الأداة الأساسية للتواصل اللغوي، وهذا لا يعني أننا سنتطرق إلى مختلف جوانبه، وبصفة خاصة سوف لا نتعرض إليه إلا بوجه محدد جدا لإبراز المعلومات الغير اللغوية المستعملة في الوضعيات التواصلية (situations de communication)، وسوف نركز بالتالي على إجراءات الالتقائية (procédures d'interface) التي  تمكن من ربط الجوانب التصورية للكلام بالجوانب الشكلية. إن دقة وتعقيدات إجراءات التحليل هذه يتم عموما السكوت عنها في حالة التطرق إلى الجوانب البرغماتية للتواصل اللغوي، أي تلك التي ترتبط حقيقة بالمعلومات "السياقية" الغير اللغوية في عملية التواصل أو الإبلاغ.

 

إن هدفنا هو توضيح دراسة إجراءات الارتباط المتدخلة في إنتاج وإدراك اللغة المنطوقة، حتى يتسنى فهم لماذا نحن بصدق "مخلوقات الكلام" (hommes de parole).



[1]  Jerry  Fodorفيلسوف أمريكي ازداد سنة 1935 ويعتبر من روّاد الوظيفية في فلسفة العقل، وقد ألّف كتبا تهتم أساسا بالعلوم المعرفية ومصوّغات العقل وعلاقة اللغة بالفكر,

[2] Max Coltheart فيلسوف انجليزي مهتم  بعلم الأعصاب المعرفي,



11/10/2010
0 Poster un commentaire

A découvrir aussi


Ces blogs de Littérature & Poésie pourraient vous intéresser

Inscrivez-vous au blog

Soyez prévenu par email des prochaines mises à jour

Rejoignez les 27 autres membres